السيد عبد القادر ملا حويش آل غازي العاني
200
تفسير القرآن العظيم ( بيان المعاني )
قال تعالى « وَأَنْفِقُوا مِنْ ما رَزَقْناكُمْ » أيها النّاس « مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ » فيتعذر عليه الإنفاق في حياته وفيما يؤتى به يوم القيامة في الموقف ويسأل عن تقصيره هذا يعتذر « فَيَقُولَ رَبِّ لَوْ لا أَخَّرْتَنِي إِلى أَجَلٍ قَرِيبٍ » ولم تمتني بغتة « فَأَصَّدَّقَ » بمالي على عيالك فلا يقبل منه ، لأنه أمهله أعواما كثيرة ولم يفعل وكان يمكنه التصدق قبل حلول أجله لو كان صادقا فيما يقوله ويتمناه ، وكان بوسعه التصدق ولكنه كان كاذبا يسوف طيلة السّنن التي قضاها حال صحته وقدرته على التصدق ولم يفطن لهذا ولم يذكره ، وكذلك قوله « وَأَكُنْ مِنَ الصَّالِحِينَ » ( 10 ) لا صحة له ، لأن اللّه يعلم لو أمهله فيما أراد لا يفعل شيئا من ذلك لاغتراره بالدنيا ولهوه في زخارفها فلم يخطر بباله حال الرّخاء ما خطر بباله حال الشّدة ، فوقع في الأسف والدّامة والحسرة بعد فوات وقت قبولها فلم يصلح لإجابة طلبه بل للقاء النّار . وهذه الآية من تتمة ما نزل في المنافقين لأن المؤمن لا يسأل الرّجعة عند حلول الموت ، ولأن ما بعده خير له مما قبله ، وهو يحب لقاء اللّه واللّه يحب لقاءه ، فلا يغتر بالدنيا ولا بطول العمر والتمتع بالعافية والرّفاه فيمنع الزكاة ويسوف بالتوبة ويصر على المعاصي كالكافر والمنافق ، بل يتوب ويتصدق وهو صحيح صحيح ، ولهذا قد ردّ اللّه على المنافق قوله وتمنيه بقوله عز قوله « وَلَنْ يُؤَخِّرَ اللَّهُ نَفْساً إِذا جاءَ أَجَلُها » أبدا لما ثبت باللوح هكذا ولا يقدم ولا يؤخر عن وقته المقدر له « وَاللَّهُ خَبِيرٌ بِما تَعْمَلُونَ » ( 11 ) بالدنيا لو ردّكم إليها لاستمررتم على أفعالكم القبيحة وحرصكم على المال وتقاعسكم عن فعل الخير كما كنتم وأكثر ، قال تعالى ( لَوْ رُدُّوا لَعادُوا لِما نُهُوا عَنْهُ ) الآية 27 من الأنعام ج 2 وهذه الآية عامة في كلّ من هذا شأنه ، ونزولها في المنافقين لا يمنع شمولها لغيرهم ولا يخصصها فيهم ، لأن العبرة لعموم اللّفظ لا بخصوص السّبب فنسأل اللّه العفو والعافية والتوفيق إلى أقوم طريقها وأقول : إليك بسطت الكف في فحمة الدّجى * نداء غريق في الذنوب غريق رجاك ضميري كي تخلص حجتي * وكم من فريق شافع لفريق فاشفع يا رسول اللّه بعبدك الجامع لهذا . ويا رب وفقه لإكماله وانفع به عبادك ،